"أيها المارون في الكلمات العابرة ، احملوا أسماءكم وانصرفوا ، وأسحبوا ساعاتكم من وقتنا ، و انصرفوا ، وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة ، و خذوا ما شئتم من صور ، كي تعرفواانكم لن تعرفوا ، كيف يبني حجر من ارضنا سقف السماء.."محمود درويشكيف نتلقى خبر وفاة محمود درويش؟يجب أن يتمأسس موت محمود درويش على واقعة إحياء شعره ، لأنه الحاضن الموضوعي لسياساتنا كأمة ، يجب أن يؤخذ في إطار ما تبديه الحركات الاجتماعية والثقافية الجديدة والتجمعات السياسية التي تقاوم ضروب السطحية الزائفة ، وبالتالي تصبح الممارسات الصادرة عن صناعة الثقافة توظيفات تضامن سياسي مقاوم. ومن المحقق أن الشغف الكبير بشعر محمود درويش تأتى من تلبيته حاجات المرحلة التي لم يستطع الشعر الشكلاني إخمادها. كان شعره بعيدا عن التصنع والارتباك ، كان نحيفا بلا زيادة أو نقصان ، وفي هذا السبيل حتى ونحن نعاين ، عن قرب ، العديد من قصائده الخالية من أبهة الكتابة وفخامتها ، سنجد بهجة بليغة الأثر ، واحتفاء بالحياة ، وانغماسا في إحدى برهات الحياة الأكثر فورية ، عندما لا يمكن للشعر إلا أن يكون احتجاجا شرسا على ما هو قائم.وهكذا تموضع محمود درويش وجها لوجه أمام ميراث عتيق وانخذالي إلى حد بعيد. غير أن هذا الثقل الفائض لم يستطع تكبيله ، كان يريد أن يقدم للإنسانية معنى ، وهذا المعنى لا يتم إلا بكرامة الوجود ، وقد افتتن هو بالحياة وبالحب والفرح وعده نوعا من المقاومة والدفاع عن الهوية بالرغم من تهديدات وانتقادات لاهوتيي الخطيئة والسقوط الذين أرادوا الحطّ من قيمة شعره المقاوم ، أو الذين حطوا من قيمة شعره الإنساني البعيد جدا عن المرحلة. ذلك أنه كان شاعرا حقيقيا ، والشعر كما يقول بول فاليري يتشكل مع الهوية لا قبلها ولا بعدها ، ولم يكن غير مثمر هذا الهامش الذي يزخر بالأحلام والذي تثقله الاستيهامات. كان على الشعر أن يهيئ له سمة جديدة ، وأن يباشر حضوره وينطوي على رغائبه ، ذلك أن شعر محمود درويش ونبرته العظيمة قادمة من صميم الصنعة ، ومن موضوعها ، قائمة في أهمية المرحلة وفي تقنية الكتابة. إنه ينجح في أن يكون شاعرا حرا ومقاوما معا. إنه ينجح في بلورة تلك القسمات المبهرة لوجهنا الحضاري الرائع ، ويطلق في الوقت ذاته صوفيته الذاتية الملغزة.لقد كان عمله عمل شاعر مثقف مزود بإحساسه بمسؤوليته الخلاقة ، والسحيقة الغور ، وقد استطاع تخصيب شعره بفلكلور وطني وإنساني معا. وكان يعاني بوصفه شاعرا عظيما في أحايين كثيرة ، من ثقل تاريخي يكبله ، وكان يعرف أن المطمح الشعري وهو ينتصر فإنه ينتصر للإنسان وهكذا كتب عن الفراشة والحب والحياة والإنسان. أكان هذا عامل إعاقة للواقع ، هذا ما كان ينظره النقاد الصغار لتجربة درويش ، ولكن ألا تتوافر في هذا المطمح إمكانية الانتصار؟ واقعيا نعم ، كان ينير من شعلة البشرية الكون والاندراج في رحبات الكون.ہأثر الفراشة لا يُرَى ، أَثر الفراشة لا يزولُ ، هو جاذبيّةُ غامضْيستدرج المعنى ، ويرحلُحين يتَّضحُ السبيلُهو خفَّةُ الأبديًّ في اليوميّأشواقّ إلى أَعلىوإشراقّ جميلُهو شامَةّ في الضوء تومئحين يرشدنا الى الكلماتًباطننا الدليلُمن "أثر الفراشة"لمحمود درويشہ لقد كتب محمود درويش الشعر بعفوية الطفل الذي ينظر إلى العالم الذي يحيط به بعينين تخلوان من التحيز تماما ، كما خلق نوعا من التوق البريء لتقديم العالم المحيط به بمشهد أسمى. لم يكن لاجئا كئيبا ومقهورا. كان واقعا على الحدود الفاصلة بين حدثين إثنين ، حطام الفلكلور الفلسطيني وبروز إسرائيل ، أي كان في إسرائيل الواقعة على خارطة فلسطين ، ليبرز في شعره الخارطة القديمة والمهدومة في توثب محموم ، ليظهر العالم المغيب بانتظار وعد آخر بالخلاص ، فهذا الصنيع الأدبي جعل من الخارطة التي تبخرت في الدخان ، جوهرا في الكتابة. "لا شيء معطى ، لا شيء صالح للقطاف ، الحب ، والفن ، والسعادة هي إنتاج إنبيق". هكذا قال جاك شاردان في زمن أبعد من هذا الزمن بكثير ، أتذكر ما قاله جاك شاردان وأنا أقرأ خبر موت محمود درويش كما لو كان هذا الخبر هو النطاق الذي يتحدد فيه مكان كل واحد فينا. لم تكن واقعة الموت هي واقعته وحده ، إنما واقعتنا جميعا ، وأقصد بهذا هو موت شيء ما في أدبنا وتاريخنا وثقافتنا ، موت ليس سهلا أبدا ، ذلك أن وجودنا التاريخي يغشاه خطر جسيم هذه الأيام ، وحسبنا أن نستحضر ما لحقه من إهانة ، بلغت حد الزراية بروحه ، في القرن العشرين ، على نحو كارثي أيضا ، ضياع فلسطين ، نهاية وعد الأمة بالخلاص ، تبدد الحلم القومي بالاستقلال ، وقد ظهر محمود درويش من زمن الحداثة العربية وهو جزء من مشروع النهضة العربية ، بل هو الجزء الوحيد الذي نجح منها وقطع أشواطا بعيدة ، بينما بقيت مجتمعاتنا على قدمها ، هذا القدم هو أحد مصادر التهديد الذي يتربص بحداثتنا.بماذ يذكرنا محمود درويش ، إنه يذكرنا بالمشروع الكبير الذي جاء ردا على تهديد هويتنا ووجودنا بالعمق ، وقد سعى هو وشعراء الطليعة في الستينيات والسبعينيات إلى استكناه تجربة سياسية تامة ، تستعيد روحها من خلال مقاومة دائمة ، مقاومة ضارية تجد مسوغها في الأليغورة ، التي شدد فريدريك جيمسون على أنها فردية بالكامل ، وهي خاصة ، ولكنها تشتمل أيضا وفي جوهرها على كامل الحكاية الجماعية ، بل تشتمل أحيانا على كامل الفلكلور القومي ، وهو أمر مهم جدا ، من وجهة نظري ، لا في أنساق تحولات الشعر فقط إنما في أنظمته التي قننها الفكر النقدي ، وعمليات التأثير والأنظمة التي ترادف ، بناء على هذه الحال ، نسيان الوجود ، أو نسيان الهوية ، حيث يمكن للكينونات الهوياتية الأخرى أن تؤثر وتشد وتحور ، عند تعطل الشعر ، فالشعر هو حارس الهوية الوطنية والقومية ، وهو يمارس حضوره الكامل على الجماعة من خلال إنعاش اللغة ، وتجديد المعجم ، وإعادة بناء الذاكرة الجماعية التي تبرع بها التمثيلات الوطنية. ويدرك محمود درويش أن الشعر يقوم عبر اللغة بصناعة الذاكرة وطرد النسيان ، إنه أداة سياسية يمنحه فضاء اللغة لإدامة وعي الإنسان بالوجود ، ويباشر إقراره بالآخر ، إنه تمثل تصوري للعالم ، حيث تنفتح أفق كونية الذات لتلتحم بكونية العالم ، يفيد الشعر هنا في تغيير العالم ، ويجدد العلاقات الحياتية وينعشها ، إنه سجل الكلمات التي يوظفها الشعر ، وهي مستقاة من معجم الكلام العادي.ہ روائي وناقد ومترجم عراقي Date : 15-08-2008 |